ملا محمد مهدي النراقي

188

جامع السعادات

خلقت آدم بيدك ، وأسكنته جنتك ، وزوجته حواء أمتك ، فكيف شكرك ؟ فقال : علم أن ذلك مني ، فكانت معرفته شكرا ) . ثم هذه المعرفة فوق التقديس وفوق بعض مراتب التوحيد ، وهما داخلان فيها . إذ التقديس تنزيهه - سبحانه - عن صفات النقص ، والتوحيد قصر المقدس عليه ، والاعتراف بعدم مقدس سواه وهذه المعرفة هي اليقين بأن كل ما في العالم موجود منه ، والكل نعمة منه ، فينطوي فيه مع التقديس والتوحيد كمال القدرة والانفراد بالفعل ، ولذلك قال رسول الله ( ص ) : ( من قال : سبحانه الله ، فله عشر حسنات ، ومن قال : لا إله إلا الله ، فله عشرون حسنة ومن قال : الحمد لله ، فله ثلاثون حسنة ) . فسبحان الله : كلمة تدل على التقديس ، ولا إله إلا الله : كلمة تدل على التوحيد ، والحمد لله : كلمة تدل على معرفة النعم من الواحد الحق . ولا تظنن أن هذه الحسنات بإزاء تحريك اللسان بهذه الكلمات من غير عقد القلب بمعانيها ، بل هي بإزاء الاعتقاد بمعانيها التي هي المعارف المعدودة من أبواب الإيمان واليقين . وأما الفرح بالمنعم ، مع هيئة الخضوع والتواضع ، فهو أيضا من أركان الشكر . بل كما أن المعرفة شكر قلبي برأسه ، فهو أيضا في نفسه شكر بالقلب ، وإنما يكون شكرا إذا كان فرحه بالمنعم أو بالنعمة لا من حيث أنه نعمة ومال ينتفع به ويلتذ منه في الدنيا ، بل من حيث أنه يقدر بها على التوصل إلى القرب من المنعم والنزول في جواره ، والنظر إلى وجهه على الدوام . وأمارته ألا يفرح من الدنيا إلا بما هو مزرعة الآخرة ومعينة عليها ، ويحزن بكل نعمة تلهيه عن ذكر الله وتصده عن سبيله ، لأنه ليس يريد النعمة لذاتها ، بل من حيث أنها توصله إلى مجاورة المنعم وقربه ولقائه . وأما العمل بموجب الفرح الحاصل من معرفة المنعم ، هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه ، وهو يتعلق بالقلب واللسان والجوارح . أما المتعلق بالقلب فقصده الخير وإضماره لكافة الخلق . وأما المتعلق باللسان فإظهار الشكر لله من تحميدات الدالة عليه . وأما المتعلم بالجوارح ، فاستعمال نعم الله في طاعته ولتوقي من الاستعانة بها على معصيته حتى أن من جملة شكر العينين أن يستر كل عيب يراه من مسلم ، ومن جملة شكر الأذنين